ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

105

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

وقد بدت البغضاء من أفواههم ، فلما حذفت الواو جاء الكلام أوجز ، وأحسن طلاوة ، وأبلغ تأليفا ونظما ، وأمثاله في القرآن الكريم كثير . واعلم أنه قد حذفت الواو وأثبتت في مواضع ؛ فأما إثباتها فنحو قوله تعالى : وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ، وأما حذفها فنحو قوله تعالى : وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون . وعلى هذا فلا يجوز حذف الواو وإثباتها في كل موضع ، وإنما يجوز ذلك فيما هذا سبيله من هاتين الآيتين . ولنبين لك في ذلك رسما تتّبعه ، فنقول : اعلم أن كل اسم نكرة جاء خبره بعد « إلّا » يجوز إثبات الواو في خبره وحذفها ، كقولك : ما رأيت رجلا إلا وعليه ثياب ، وإن شئت قلت : إلا عليه ثياب ، بغير واو ؛ فإن كان الذي يقع على النكرة ناقصا فلا يكون إلا بحذف الواو ، نحو قولك : ما أظن درهما إلا هو كافيك ، ولا يجوز إلا وهو كافيك ، بالواو ؛ لأن الظن يحتاج إلى شيئين ، فلا يعترض فيه بالواو ؛ لأنه يصير كالمكتفي من الأفعال باسم واحد ، وكذلك جواب ظننت وكان وإنّ وأشباهها ، فخطأ أن تقول : إن رجلا وهو قائم ، ونحو ذلك ، ويجوز هذا في « ليس » خاصة ، تقول : ليس أحد إلا وهو قائم ؛ لأن الكلام يتوهم تمامه بليس وبحرف ونكرة « 1 » ألا ترى أنك تقول : ليس أحد ، وما من أحد ، فجاز فيها إثبات الواو ، ولم يجوز في أظن ؛ لأنك لا تقول : ما أظن أحدا ، فأما أصبح وأمسى ورأى فإن الواو فيهن أسهل ؛ لأنهن توأم في حال « 2 » ، وكان وأظن ونحوهما بنين على النقص ، إلا إذا كانت تامة ، وكذلك « لا » في التنزيه وغيرها ، نحو : لا رجل ، وما من رجل ؛ فيجوز إثبات الواو فيها وحذفها .

--> ( 1 ) في جميع الأصول « بليس وبحرف نكرة » ونرى أنه لا بدّ من زيادة الواو حتى تصير العبارة « يتوهم تمامه بليس وبحرف ونكرة » والمعنى أن الكلام قد يتوهم تمامه بليس ونكرة نحو ليس أحد ، وبحرف ونكرة نحو ما من أحد . ( 2 ) يريد أخوات الحال ؛ إذ يقرب معناهن من معنى الحال ، وهو « في حال كذا » .